أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

89

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

ومن شدّة تأثيرها السلبي على السلطة قال رجالها : « لو أنّ السيّد سبّ الحكومة آلاف المرّات كان أهون عليها من هذه الدروس الموضوعيّة المحكمة » « 1 » . والذي يقرأ ما بين السطور ويدرك الخفايا التي بثّها السيّد الصدر ( رحمة الله ) في ثنايا كلماته ، خاصّةً في المحاضرة التاسعة حول ( التسلّط الفرعوني ) ، لا يعجب من خوف السلطة أبداً . وفي هذه الفترة شاع خبرٌ مفاده أنّ الحكومة العراقيّة تعدّ محاولة لاغتيال السيّد الصدر ( رحمة الله ) ، كان ( رحمة الله ) يلقي محاضرات على الطلبة في مسجد الشيخ الطوسي ، فرآه أحدُ المؤمنين وهو يمشي وحده في أزقّة النجف ذاهباً إلى المسجد ، فاستغرب هذا الرجل وقال للسيّد : « كيف تمشي وحدك يا مولاي في مثل هذه الظروف ؟ » ، فأجابه : « أليس الله بكافٍ عبده ؟ ! » « 2 » . السيّد الصدر ( رحمة الله ) ينعى نفسه في المحاضرة الثالثة من محاضراته يوم الثلاثاء 25 / جمادى الأولى / 1399 ه - ( 24 / 4 / 1979 م ) ألمح السيّد الصدر ( رحمة الله ) إلى دنوّ أجله حيث قال : « . . . الآن أودّ أن أذكر مبرّراً عمليّاً ، وهو أنّ شوط التفسير التقليدي شوط طويل جدّاًلأنّه يبدأ من الفاتحة وينتهي بسورة الناس ، وهذا الشوط الطويل بحاجة من أجل إكماله إلى فترة زمنيّة طويلة أيضاً ، ولهذا لم يحظ من علماء الإسلام الأعلام إلّا عدد محدود بهذا الشرف العظيم ، شرف مرافقة الكتاب الكريم من بدايته إلى نهايته . ونحن نشعر بأنّ هذه الأيام المحدودة المتبقية لا تفي بهذا الشوط الطويل ، ولهذا كان من الأفضل اختيار أشواط أقصر لكي نستطيع أن نكمّل بضعة أشواط من هذا الجولان في رحاب القرآن الكريم . من هنا سوف نختار موضوعات متعدّدة من القرآن الكريم ، ونستعرض ما يتعلّق بذلك الموضوع وما يمكن أن يلقي عليه القرآن من أضواء . وسوف نحاول أن يكون البحث مضغوطاً بقدر الإمكان لكي نستطيع أن نصل إلى عدد من المواضيع المهمّة ، فنقتصر على الأفكار الأساسية والمبادئ الرئيسية بالنسبة إلى كلّ موضوع . وسوف أحرص على أن لا يستوعب كلّ موضوع إلّا عدداً محدوداً من المحاضرات ، أرجو أن يكون بين خمس محاضرات إلى عشر محاضرات لكي نستطيع أن نستوعب مواضيع متنوّعة من القرآن الكريم » « 3 » . وفي هذه الأيّام ذكر السيّد الصدر ( رحمة الله ) لطلّابه بأنّه قد بقي له من العمر سنة واحدة حيث قال : « جدّي عمّر [ 83 سنة ] وأبي عمّر [ 47 سنة ] وأخي عمّر [ 48 سنة ] ، وأنا الآن عمري [ 46 سنة ] ولم يبقَ لي بعدُ إلّا سنة واحدة » « 4 » ، وبعد سنة استشهد ( رحمة الله ) .

--> ( 1 ) خفايا وأسرار من سيرة الشهيد محمّد باقر الصدر : 127 ( 2 ) الإمام الصدر في سلوكه الأخلاقي : 31 ( 3 ) المدرسة القرآنيّة ، ط المؤتمر العالمي : 45 - 46 . وقد يُحتمل أنّ مراده من ( الأيّام المتبقيّة ) الأيّام المتبقيّة قبل بدء التعطيل في شهر رمضان المبارك لا الأيّام المتبقيّة من حياته ، إلّا أنّه يعد بالحديث عن عدّة موضوعات يتمّ بحث كلّ واحد منها خلال خمس إلى عشر محاضرات ، وهذا لا يمكن بحثه بأيّة حال قبل حلول شهر رمضان المبارك . ومن هنا فإنّه يقصد الأيّام المتبقيّة من حياته . ( 4 ) سمعتُ ذلك من السيّد كمال الحيدري نقلًا عن السيّد الصدر . وقد ذكر السيّد الحيدري كلمة ( كذا ) مكان أعداد السنين ، وما بين [ ] أثبتناه من الخارج بحسب التاريخ الهجري . وقد رأينا من المناسب إدراجها هنا لأنّ المحاضرة الثالثة ترجع إلى نيسان / 1379 م ، وقد استشهد في نيسان / 1980 م .